ما وراء القاعدة العسكرية التركية في الصومال:

ديسمبر 17, 2017

تقرير خاص لوكالة شهادة الإخبارية:

مقديشو (شهادة) – بعد افتتاح قاعدتها الجديدة “الريان” في قطر، تعلن أنقرة عن إنشائها قاعدة عسكرية جديدة أخرى لها في الصومال.

وفي وقت انقسمت فيه التحليلات التي تناولت هذا الحدث بين مشيد بالجهود التركية السخيّة لمساعدة الصومال “المتأزم” وبين محذّر من تداعيات التورط التركي العسكري في القرن الإفريقي، يكون للقاعدة العسكرية التركية الجديدة أدوارا استراتيجية أكيدة تصب في مصلحة الأتراك بشكل مباشر قبل أي مصلحة صومالية.

 

القاعدة بلغة الأرقام


وقد أنشأت القاعدة العسكرية التركية التي كلّفت حوالي 50 مليون دولار، في بداية أكتوبر/تشرين الأول 2017 وهيتقع على مسافة قريبة جنوب العاصمة الصومالية مقديشو، وتبلغ مساحتها نحو 4 كم2، لتشمل ثلاثة مرافق مختلفة للتدريب، إضافة إلى مخازن للأسلحة والذخيرة.

ويأتي إنشاء هذه القاعدة التي استغرق بناؤها عامين بموجب اتفاقية عسكرية تم إبرامها بين تركيا والصومال في ديسمبر/كانون الأول 2012، ليتمركز فيها 200 ضابط من الجيش التركي، يشاركون في تدريب أكثر من 10 آلاف جندي وضابط من الجيش الصومالي رشحتهم الأمم المتحدة لهذا البرنامج الجديد بهدف تعويض الفراغ الذي ستتركه قوات الاتحاد الإفريقي أميصوم التي ستخرج يوما ما من الصومال خاصة بعد حجم الهزائم والخسائر التي منيت بها على يد حركة الشباب المجاهدين وإعلانها أن تاريخ انسحابها من الصومال سيكون قريبا.

وحسب تصريحات المسؤولين في الحكومة الصومالية المدعومة من الغرب فإن التكاليف التي تكفلت بها الحكومة التركية لم تقتصر على التدريب والسكن والطعام فحسب، بل تعدت إلى تغطية التكاليف الأخرى بعد تخريج الجنود والضباط بدفع رواتبهم وتجهيزهم بالسلاح والمستلزمات العسكرية الأخرى.

الهدف المعلن

حرص ساسة الأتراك على التذكير بأن الهدف من تأسيس هذه القاعدة ما هو إلا لتدريب وتأهيل الجيش الصومالي والتعاون العسكري مع مقديشو، وهو تعاون يأتي بعد توطئة واضحة من الأتراك بالجهود الإنسانية وتقديم المساعدات الاقتصادية للشعب الصومالي التي تم تصويرها إعلاميا بعناية فائقة كما اعتني بخبر زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في أغسطس/آب 2011 كأول رئيس دولة يزور الصومال ويهتم رسميا بها، ما اعتبره البعض دعاية مفرطة لتلميع الرئيس التركي، وتضخيم لأهمية الزيارة في حين جنت أنقرة الكثير مقابل هذه التوطأة على رأس ذلك التوقيع على اتفاقية للتعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين.

حقائق من خلف الستار

لا شك أن العالم يعيش حالة من التنافس والتدافع الإقليمي والدولي والذي انعكست آثاره في المناطق الاستراتيجية في العالم، ويعد الصومال من أبرز هذه المناطق التي تستقطب الأطماع الدولية إليه نظرا لموقعه الحساس والمهم في خارطة العالم. ولا شك أن تركيا بتدخلها في الصومال قد حصلت على امتيازات كبيرة على خليج عدن الاستراتيجي.

والمتابع للسياسة التركية التي ينتهجها فريق رجب طيب أردوغان، يلاحظ ذلك الاهتمام المتزايد بتقوية اقتصاد تركيا بجميع السبل وفتح أبواب التجارة والشراكة العالمية في وقت خسر فرصته في الحصول على مقعد مع الإتحادالأوروبي  رغم استماتته في الانضمام إليه.

ولاشك أن المطامع التركية في اقتصاد صومالي غير محمي ومستباح، بدون منافسة تستحق التريث، دفع بتركيا للتوقيع على 9 اتفاقيات ومذكرات تفاهم أثناء زيارة ثانية للرئيس التركي إلى الصومال عام 2015 ضمت كذلك إثيوبيا وجيبوتي.

وشملت الاتفاقيات الموقع عليها المجالات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والصحية إضافة إلى اتفاقية التعاون في مجالات المياه المعدنية والزراعة، ويرى المراقبون أنها صفقات تصب في صالح الأتراك بالدرجة الأولى، وتجني منها أنقرة الأموال الطائلة مقابل بعض النفع الذي سيعود على الحكومة الصومالية المدعومة من الغرب لا يقارن.

ولا أوضح من تصريحات المسؤولين الأتراك في أن الصومال يعد فرصة العمر في تحقيق قفزات من الأرباح الاقتصادية بالنظر لظروفه المضطربة وقيادته العديمة الخبرة، فقد صرح نائب رئيس الوزراء التركي، لطفي ألوان، بأن حجم الاستثمارات التركية في الصومال بلغ مئة مليون دولار بنهاية العام 2016، وقال: “حين ننظر إلى إمكانيات العمل في الصومال، يجذب انتباهنا امتلاكه أطول ساحل بإفريقيا وموارد الطاقة المتجددة؛ وسنشجع مستثمرينا على الاستثمار في الصومال خاصة في مجالات صيد الأسماك والزراعة”.

بينما بيّن وزير الاقتصاد التركي، مصطفى أليطاش، أن حجم التبادل التجاري بين تركيا والصومال بلغ 72 مليون دولار من العام نفسه، وأنهم يطمحون لرفعه إلى 80 مليون دولار في العام 2017 و100 مليون دولار في العام 2018.

والجدير بالذكر أن الأتراك قد سيطروا سيطرة تامة على مطار وميناء مقديشو ووضعوا أيديهم على مداخيله ومصاريفه بشكل مباشر، وأن ما يجنيه الأتراك من أرباح من خلال مشاريعهم في الصومال يفوق أضعافا مضاعفة ما يقدمونه من مساعدات إنسانية يمنون بها على الشعب الصومالي.

ولا زال الشعب الصومالي يذكر يوم قامت شركة “بيراك” التركية التي تسيطر على ميناء مقديشو بتسريح 5000 موظف من أصل 5300 موظف كانوا يعملون في الميناء ليوظفوا بدلهم، عمالا أتراكا قاموا باستقدامهم من تركيا، ما أثار سخط الشارع الصومالي وخرج الموظفون المفصولون في مظاهرات شهدتها شوارع مقديشو ينددون بما سموه بالاحتلال التركي للمرافق العامة في البلاد.

من جهة أخرى فإن القاعدة العسكرية التركية في الصومال تلبي حاجة الأتراك في توسيع أسواقهم لبيع الأسلحة التركية وهذا ما سيعزز مكانتها اقتصاديا وعسكريا في خريطة العالم بزيادة تسويق الأسلحة والذخائر التي تنتجها أنقرة. وقد أكدت الكثير من التقارير بهذا الشأن جدية تركيا في السعي منذ سنوات إلى تطوير صناعاتها الدفاعية بشكل كبير ورفع نسب تصديرها للخارج ولن تجد أفضل من الصومال كسوق مغري لجني الأرباح الطائلة.

وبهذا يمنح الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي لتركيا  في هذه المنطقة العديد من المميزات وتستفيد أنقرة من حجم استثمارات يعد الأهم في إفريقيا، إذ أن  حجم الاستثمارات التركية المباشرة في إفريقيا كاملة يقدر بنحو ستة مليارات دولار، تستحوذ منطقة شرق إفريقيا على نصفها تقريبًا، ويبلغ نصيب الصومال منها لوحده نحو مئة مليون دولار.

تحديات

ويحاول البعض تبرير التوسع التركي في الصومال على أنه يصب في مصلحة التصدي للتمدد الإيراني في العالم ، بينما يرد على هذا التحليل القاصر، التحالف التركي الروسي الإيراني الجديد والذي يجمع مصالح الدول الثلاث لتكون شريكة في خطواتها المدروسة في سوريا. وإن برر البعض هذا التحالف بالمؤقت نظرا لظروف المنطقة، فإنه قد تبين من خلال تحركات الأتراك أن ما يحكم سياستهم هو مصلحة تركيا الشخصية قبل أي مصلحة أخرى ولن تتضرر من تمدد إيراني إن كانت ستحظى معه بحفظ مصالحها وهو ما يفسر مسارعة أردوغان لإقامة علاقات وثيقة مع طهران وتبادل الزيارات بشكل يعكس استقرارا في العلاقة بين البلدين.

وإن كانت الأسباب الدافعة لإنشاء قاعدة عسكرية تركية في قطر مختلفة عن تلك التي دفعت بإنشاء مثيلتها في الصومال، بالنظر لأزمة الخليج وخشية قطر من هجوم عدواني من دول المقاطعة المجاورة (السعودية والإمارات والبحرين ) فإن تركيا بإنشاء قاعدتين على مقربة من باب المندب والبحر الأحمر أضحت تحتفظ لها بموطأ قدم قد  يجلب لها بعض المتاعب بالقرب من ساحة يتنافس عليها دول عظمى كأمريكا والصين، ولدى كل منها قواعد كبيرة في جيبوتي المجاورة.

فبافتتاح هذه القاعدة تحتل تركيا المركز السادس من حيث الدول التي لها قواعد عسكرية في إفريقيا وخاصة في القرن الإفريقي، بعد الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا واليابان والصين، وهذا ما يفتح بابا كبيرا أمام التحديات التي تتعقب الأطماع التركية في المنطقة.

صمت أمريكي أوروبي

في الوقت الذي توسع فيه تركيا نفوذها في الصومال، وتحظى بالامتيازات الاستراتيجية، في هذه المنطقة نلاحظ صمتا واضحا من أمريكا ودول أوروبا وكأن الأمر لا يعنيهم مع العلم أن هذه الدول منخرطة بشكل مباشر في الصراع الدائر في الصومال، مما يوحي بأن الأتراك يتحركون برضا الغرب وهو مايفسره بعض المحللين الصوماليين بأن الأتراك بغطائهم الإسلامي ورئيسهم الذي قدم نفسه كزعيم مدافع عن حقوق المسلمين ومقدساتهم في العالم بالرغم من كونه عضوا في حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي يقود حربا عداونية ضد الإمارة الإسلامية في أفغانستان، يمثل الوسيلة الأنسب لتحقيق الأجندات الغربية في الصومال، والغطاء الأكثر موائمة لمواجهة الفكر الجهادي الذي هو الآخر يحمل راية الإسلام وينادي بالدفاع عنها ضد الحملة الصليبية على البلاد، وكون غالبية الشعب الصومالي ينظر للأتراك كمسلمين فسيقلص هذا بعضا من التحديات التي كانت تواجه الجنود الصليبيين الذين لا يتقبل وجودهم الشعب الصومالي مهما حاولت الحكومة المدعومة من الغرب تبرير هذا الوجود.

التحدي الأكبر

من جهة أخرى فإن التواجد التركي غير مرحب به في الصومال من قبل حركة الشباب المجاهدين،التي ترى في دعم الأتراك لحكومة الصومال المرتدةالتي أقامها الغرب، بمثابة إعلان حرب عليها، وهو التحدي الأصعب أمام حكومة تركيا التي لن تقوى على مواجهة جبهات جديدة قد تفتح لاستنزافها خاصة وأن حركة الشباب سبق وأن استهدفت السفارة التركية في مقديشو في منتصف عام 2013سنة وأدى الهجوم  إلى قتلي وجرحي من الأتراك وتحطيم جزئي لمبنى السفارة.

Bottom of Form

 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


أتبعني على تويتر

اعلى المواضيع

أتبعني على فيسبوك