جاذبية جيبوتي الدولية تهدد مستقبل استقرارها

0

تقرير خاص لوكالة شهادة الإخبارية

على الرغم من صغر مساحتها نسبيا تعتبر جيبوتي، مركز جاذبية دولية لافت، تستقطب الدول الكبرى في العالم على اختلاف مصالحها، إلا أنها على الرغم من انتعاش خزينتها من إيرادات تأجير أراضيها لهذه القوى الدولية، لا زالت تعاني في ذات الوقت من ضعف سياسي فادح ينبأ بمستقبل قاتم لهذا البلد الهام استراتيجيا في القرن الإفريقي.

 

فقد نجحت كل من الولايات المتحدة وأوروبا والصين واليابان من كسب موطأ قدم قوي لكل منها على أرض جيبوتي ولكن إلى اللحظة لم تتمكن الحكومة الجيبوتية من رسم استراتيجية نافذة وفرض حضور سياسي قوي في الساحة الدولية يسمح لها بخلق التوازن الآمن بين هذه القوى ورفع فرص تأثيرها بمعايير صاحب الأرض لا التابع.

 

تمدد صيني يغلب على مشهد جيبوتي

ولعل المرحلة الحالية التي تعيشها جيبوتي، يغلب عليها ملامح التمدد الصيني بشكل بارز منذ وجّهت بكين اهتمامها إلى هذا البلد الواقع في القرن الإفريقي وعلى مسار طريق الحرير الحديث الذي تسعى لترسيخ محطاته الحكومة الصينية بقوة في الساحة الإفريقية.

 

فبعد إنشاء قاعدة عسكرية لا تبعد إلا بضع كيلومترات عن القاعدة الأمريكية الشهيرة (معكسر ليمونير) اتجهت الصين لتقوية روابطها الاقتصادية مع جيبوتي،  كان آخر مشهد لهذا التقارب الاقتصادي إنشاء منطقة للتجارة الحرة الدولية وهي المنطقة التي تشارك في استثمارها وتشييدها وتشغيلها مجموعة التجّار الصينية ومجموعة داليان بورت وغيرها من الشركات الصينية الكبيرة، وقد افتتحت بشكل رسمي في شهر يوليو لعام 2018، وحصلت على توقيع عشرين شركة إفريقية وصينية للمشاركة.

 

مصر تسابق متأخرة

وبعد أن تقلدت مصر منصب رئاسة الإتحاد الافريقي في عام 2019، يبدو أنها أدركت الأهمية الاستراتيجية لجيبوتي، وحقيقة السباق الإقتصادي الجاري على أرضها فسارعت القاهرة للحصول على موطأ قدم لها هناك، حيث أعلن سفير جيبوتي لدى مصر “محمد ظهر حرسي”،  عن منح السلطات الجيبوتية قطعة أرض من أراضيها لصالح مصر تبلغ مساحتها مليون متر مربع تمهيداً لإقامة ما وصف بمنطقة لوجستية، تنوي القاهرة الاستناد إليها كقاعدة لتصدير المنتجات المصرية إلى الدول الإفريقية باعتبار جيبوتي مدخلا للبوابة الإفريقية.

 

ويبدو أن على مصر تجاوزت بعض التحديات لإتمام هذا المشروع في مقدمتها توفير خطوط مباشرة بين البلدين سواء الجوية منها أو البحرية.

 

وقد أكدت الدوافع الحقيقية لهذا التوجه الجديد لمصر، النائبة آمنة نصير، عضو لجنة الشؤون الأفريقية بمجلس النواب حين قالت: “ندرك قيمة القارة السمراء، فهي المستقبل، وهناك تكالب غربي على هذه القارة ربما حصل تكاسل في مرحلة ما، لكننا نعود بقوة للاتحاد جميعا” .

 

إثيوبيا الحليف الإستراتيجي للأمريكيين

وتبقى إثيوبيا كما كانت دائمًا الحليف الاستراتيجي لواشنطن في إفريقيا، وهذا ما يجعل التوقعات في تغيير طبيعة العلاقات الجيبوتية الإريتريرية المحطة القادمة في قطار التغيرات الجيوسياسية التي تصب في مصلحة تعزيز مكانة إثيوبيا أكثر وتقوية سبل وصولها للمنفذ البحري عبر جيبوتي وإريتريا وهذا أيضا ما دفع برئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد للتعبير عن رغبته في بناء أسطول إثيوبي في المحيط الهندي ليصبح أكبر قوة بحرية في المنطقة ولم تأتي هذه الطموحات من فراغ بل هي حقيقة تغذيها واشنطن بمكر السياسة الناعمة الهادئ.

 

مستقبل قاتم لجيبوتي

وبالنظر لعدد الدول التي تتنافس على مصالحها في جيبوتي الصغيرة، بل وعلى المناطق المجاورة كإريتريا والصومال واليمن، يبدو مستقبل البلد في القرن الإفريقي قاتما.

 

فاحتضان قاعدة أمريكية وأخرى صينية متلاصقتين، في ظل حرب اقتصادية شرسة بين دولتين من أقوى دول العالم، تعتبر أحد التحديات الاستراتيجيـة التي تشكل خطـراً حقيقيـًا على مستقبل جيبوتي وعلى استقرارها، في وقت تعيش فيه منطقة شرق إفريقيا تحولات جيوسياسية هامة، وإعادة صياغة التحالفات الإقليمية وتغيير خارطة موازين القوى وفق مصالح الدول الكبرى في المنطقة. فضلا عن حضور قوي لكل من الولايات المتحدة والصين والهند واليابان وتركيا وإيران وإسرائيل وفرنسا في هذه المنطقة بقواعد عسكرية ومصالح اقتصادية وخطط سياسية تمتد إلى غاية أوغندا شرقًا وكينيا جنوبًا، ما يرسم مشهد سباق على النفوذ للسيطرة على منطقة البحر الأحمر، حيث يمر النفط الخليجي المصدر إلى أوروبا والولايات المتحدة وأين يعتبر الاتصال بين القارتين الإفريقية والآسيوية ذو آفاق ومحاذير.

 

وهذا ما يفسر مسارعة السعودية لمحاولة جمع الدول الواقعة على ضفاف البحر الأحمر في كيان واحد يسعى لحفظ مصالحها في وقت يشهد فيه النظام الدولي تغييرات قد تؤدي إلى إعادة هيكلة جديدة للقوى وبروز أقطاب أخرى لا تقل تأثيرًا وهيمنة عن القطب الأمريكي الذي بدى واضحا تراجعه في بعض الساحات الدولية.

 

ولا شك أن واشنطن تدرك جيدًا أهمية الموقع الاستراتيجي لدول القرن الإفريقي وشرق إفريقيا عموما، وهو ما جعلها تكثف جهودها في الآونة الأخيرة في تحقيق استقرار سياسي في إثيوبيا وإريتريا. ولا زالت تتطلع إلى جيبوتي كمفتاح مهم وجب الحفاظ عليه حيث أن ملفات المصالحة مع إريتريا تطبخ حاليا على نار هادئة. وهذا ما لمحت له مصر على أنه المحطة المقبلة المنتظرة.

 

ويرى المراقبون التغيرات الجديدة في شرق إفريقيا عموما والقرن الإفريقي خصوصًا، جزء من التهديد الذي ينتظر مستقبل جيبوتي، فقد اعتادت الأخيرة على وضع جيوسياسي معين بنت على أساسه مصالحها طيلة هذه السنين، وانشغلت بجمع إيرادات تأجير أرضها للقوى الكبرى بدل التفكير في سياسة تستوعب المآزق حين تختلف هذه الدول على أرضها.

 

فضلا على أن التحالفات الجديدة والخطط الإقليمية الحديثة ستفتح باب التكهنات على مصراعيه بخصوص إمكانية استمرار انفراد جيبوتي بجاذبيتها الدولية والتي قد تفقدها بصعود النجم الإريتري المنافس بعد فك قيده.

 

ضعف السياسة الجيبوتية

وفي وقت لم يشغل بال الحكومة الجيبوتية مثل السعي لملأ خزائنها عبر الاستفادة من موقعها الاستراتيجي على مضيق باب المندب وفتح الباب لكل المتنافسين بلا دراسة متأنية، لا زالت السياسة الجيبوتية ضعيفة لمواكبة التحولات الجيوسياسية والتغيرات في السياسات الدولية المرافقة، وهذا الضعف في كسب مكانة سياسية استراتيجية يجعل من فرص التهديد لمستقبل جيبوتي أكبر من فرص الاستقرار.

 

وإن وقعت أي حرب أيّا كان شكلها بين الدول الكبرى في ظل الشرارات التي تخرج بين الفينة والأخرى، فإنه وبلا شك ستكون جيبوتي أول ضحية لتناطح الكبار.

 

فهل ستستدرك جيبوتي ورطة تأجير أرضها لقوى عسكرية واقتصادية ضخمة في حين يعاني هيكلها من ضعف سياسي ودبلوماسي.

 

ستكون التغيرات المقبلة في موازين قوى العالم والنظام الدولي كفيلة بتحديد أي تأثير سينال من جيبوتي الصغيرة إن لم تقفز لاستراتيجية سياسية تحفظ لها استقرارها إذا وقع المحذور.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.