الفساد في كينيا ينخر هيكل الدولة ويجبر الكينيين على التكيّف معه في حين تمتد آثاره إلى أوغندا

0

تقرير خاص لوكالة شهادة الإخبارية

لم يكن اختفاء جهاز الحاسوب الخاص بلجنة الأراضي الوطنية (أن أل سي) إلا أحد الحلقات الجديدة في سلسلة الفساد المستشري في عمق الحكومة الكينية.

 

فالحاسوب المختفي يحوي أدلة خاصة بقضايا فساد يُعتمد عليها في توثيق عملية منح تعويضات غير قانونية من قبل مسؤولين حكوميين. ومع ذلك لا يزال لغز اختفائه بلا حل.

 

الشعب يندد والرئيس يعترف بالفشل

ويندد الشعب الكيني باستمرار بمرض الفساد الذي استفحل في مؤسسات الدولة وأثر سلبًا على معيشة الكينيين، في وقت فشلت فيه جميع وعود الرئيس الكيني أوهورو كينياتا في تبديد المخاوف من هذا الكابوس المخيف.

 

بل انتهى الأمر بكينياتا -خلال مؤتمر شعبي – أن أذعن لمرارة الواقع، واعترف بأنه يشعر بالإحباط والفشل في مواجهة سرطان الفساد. ولم يكتفي الرئيس الكيني بذلك بل ألقى أيضا باللوم على أجهزة الدولة المسؤولة عن مكافحة الفساد، منتقدًا في نفس الوقت بطء الإجراءات في محاكم بلاده وأجهزتها الرقابية.

 

وقد اضطر كينياتا إلى إقالة خمسة وزراء ومسؤولين رفيعي المستوى كما أجبر وزيرًا سادسًا على تقديم استقالته، ومع ذلك يُصنّف تقرير الشفافية ومستويات الفساد لعام 2016 الصادر عن المنظمة الدولية للشفافية، يُصنّف كينيا في المركز 145 من أصل 176 دولة ، كأحد الدول الأكثر فسادًا في العالم.

 

الفساد يصل إلى عمق الدولة ومؤسساتها القضائية والأمنية

من جهتها أكدت التقارير الإعلامية في كينيا بأن عشرة مليارات شلن أي ما يعادل100  مليون دولار نُهبت عبر فواتير مزيفة ودفعات مالية متعددة. فيما وصفه مدير إدارة التحقيقات الجنائية في كينيا، بـ”نهب ضخم للمال العام” في الهيئة الوطنية للشباب.

 

ويؤكد المراقبون أن مرض الفساد بدل أن ينحسر تمدد إلى قلب مؤسسات القضاء والعدالة وملاحقة الفاسدين التي هي بالأصل لعلاج هذا الفساد، ومثال على ذلك، قيام النيابة العامة في كينيا بتوقيف نائبة رئيس المحكمة العليا في البلاد،  “فيلومينا مبيتي مويليو” بتهمة الثراء الشخصي غير القانوني. وهي التي استغلت منصبها لإثراء نفسها بالرشاوى والوصولات المريبة.

 

وعلى غرار القضاء تعاني الشرطة في كينيا من الفساد بشكل خطير، وكانت منظمة الشفافية الدولية لمكافحة الكسب غير المشروع قد صنفت جهاز الشرطة الكينية بأنه أكثر المؤسسات عرضة للرشوة في مؤشر الرشوة في شرق أفريقيا لعام 2017.

 

ولا تزال فضيحة السكر الشهيرة والتي تعد من أخطر قضايا الفساد في البلاد تصنّف كينيا كأحد أخطر الملاذات للفاسدين، حيث تم استيراد السكر الملوث بالزئبق والنحاس على مستويات أعلى بعشر مرات من تلك المسموح بها للاستهلاك البشري وبيع السكر المسموم للشعب الكيني لجني الأرباح المغرية.

 

الشعب الكيني يفقد الثقة ويضطر للتكيّف

ومع مرور الأيام، وتنامي شعور انعدام الثقة، يرى المراقبون أن الشعب الكيني أصبح متعايشًا مع هذا الفساد في بلاده، حيث ألف الكينيون سماع خبر إلقاء القبض على مسؤول حكومي أو وزير رفيع المستوى في الحكومة بتهمة الفساد، كما سبق وأن ألقي القبض على رئيس هيئة حكومية وآخرين، لتورطهم في سرقة نحو 100 مليون دولار.

 

وتعكس الإحصاءات درجة التعايش التي تكيّف معها الشعب الكيني مع واقع الفساد في بلده حيث ارتفعت نسبة من يدفعون رشاوى للحصول على خدمات إلى 62% مقارنة بـ 46% في العامين الماضيين.

 

وبهذا يكون ثلثي الشعب الكيني منخرطًا في الفساد بدل المسارعة للإبلاغ عنه عند السلطات الحكومية، وهذا يؤكد بدوره أن الشعب لا يثق حكومته إذ أنه يفضل دفع الرشاوى على تقديم بلاغات يدرك جيدا أن مآلها سيكون تعرضه للأذى بدل الحصول على حماية وعدالة.

 

وقد أثرت هذه المعدلات المرتفعة لنسب الفساد في الحكومة الكينية سلبًا على المنح الخارجية التي تنتظرها الحكومة الكينية، حيث علّقت الإدارة الأمريكية مساعدات بقيمة 21 مليون دولار كانت مخصصة لوزارة الصحة الكينية.

 

ولا يمكن تخمين متى ترجع الثقة في الحكومة الكينية، في وقت لا تزال تعاني فيه أجهزة الرقابة والمحاسبة من ضعف شديد.

 

ضبابية ومزيد تأزيم للوضع الكيني

وفي الضفة المقابلة للفساد تعاني الحكومة الكينية من الضبابية وكتم الحقائق عن شعبها حين يكون الأمر متعلقا بمصالحه وثرواته.

 

ففي الوقت الذي تؤكد فيه التقارير هيمنة الصين على ميناء مومباسا، يحاول الرئيس الكيني نفي هذه المعلومات معللًا الأمر على أنه لا يتعدى تقديم الصين لصفقات مالية تستطيع كينيا تسديدها.

 

وتوضح التقارير التي تتناول قضية الهيمنة الصينية على ميناء مومباسا، أن الأخير جزء من صفقة مبرمة مع الحكومة الكينية كضمان للتوصل إلى اتفاق تمويل مشروع السكك الحديدية “ستاندرد قيج”، مع المؤسسات المالية الصينية.

 

آثار الفساد في كينيا تصل إلى أوغندا

ويبدو أن الفساد في كينيا تعدى الحدود ليصل مداه إلى غاية أوغندا المجاورة، حيث أعلن المتحدث باسم إدارتى التحقيقات الجنائية واستخبارات الجريمة، أن هناك زيادة كبيرة فى سرقة السيارات من طرازات قديمة هذا العام في أوغندا ثم تهريبها إلى كينيا بعد قرار نيروبي حظر استيراد السيارات المصنعة قبل تاريخ 2011.

 

وقد أدى ارتفاع عدد عمليات السرقة إلى تزايد الطلبات على قطع غيار السياراتالمصنعة قبل 2011.

 

ويجدر الإشارة إلى أن نقل السيارات المسروقة من أوغندا يتم عن طريق تفكيكها ونقل أجزائها إلى كينيا حيث يتم إعادة تجميعها من جديد. وتحظى عملية التهريب هذه بدعم المسؤولين الحكوميين من وراء الستار.

 

الحرب في الصومال تنبأ باتساع الخرق

ويبدو أن الغزو الكيني للصومال لم يحسّن من واقع الفساد الذي تعاني منه البلاد، كما كانت تدعي الحكومة الكينية بعد إرسال جيشها إلى الصومال، حيث أكدت تصريحات المسؤولين الكينيين مرارًا أن الحرب في هذا البلد المحتقن ستساهم في اقتلاع الفساد من المؤسسات الكينية بعد تحقيق انتعاش اقتصادي في البلاد، ولكن مع استمرار الغزو الكيني ثبت أن الفساد أصبح أكثر تجذرا في العمق الكيني، مع انفتاح شهية الفاسدين للثروات الصومالية وتوسع دائرة نشاطهم بشكل أوسع داخل مؤسسات الجيش.

 

وفي وقت تعاني منه الصومال من حالة فساد أسوء، حيث صنفت الحكومة الصومالية كأكثر حكومة فاسدة في العالم باحتلالها رأس هرم الفساد العالمي مع رصيد 9 نقاط ؛  فهل سيساعد الفساد الصومالي الفساد الكيني في الانتعاش أم ستستدرك الحكومة الكينية أمرها قبل أن تفقد صلاحيتها مرة واحدة على غرار الحكومة الصومالية؟ وفي الأثناء يبقى الخاسر الوحيد هو الشعب الكيني المستنزف.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.