لماذا تتدافع قوى العالم على جيبوتي؟

0

كتب دبلوماسي هندي اسمه جوجيت ساين مقالة بعنوان: لماذا تتدافع قوى العالم على جيبوتي؟

وبحسب الكاتب فقد كانت جيبوتي – الواقعة عند مصب خليج عدن، حيث تلتقي بالبحر الأحمر- حتى وقت قريب دولة نائية نسبيًا. ويشمل باب المندب، الذي يربط بين البحرين، كل من اليمن من الشرق وإريتريا وجيبوتي من الغرب.

وأوضح الكاتب أن هذا الموقع الاستراتيجي هو الذي حول جيبوتي إلى بلد ذو أهمية حاسمة.

ويوصف الطقس في جيبوتي بالحار والرطب للغاية. وتصل درجة حرارته العالية في الصيف لحوالي 42 درجة مئوية.

وفي بعض الأحيان وصفت جيبوتي بأنها أكثر الدول غير المضيافة في العالم.

لكن في العقود الأخيرة استولت العولمة على جيبوتي.

وتم إنشاء فنادق ومطاعم جديدة، حيث يختلط الجنود الأجانب من القواعد المختلفة مع بعضهم البعض بحسب الكاتب.

 

صورة جوية لمدينة جيبوتي، عاصمة جيبوتي.

 

وقال الدبلوماسي ساين: “في عام 2005، عندما زرت جيبوتي، كسفير غير مقيم، مقره في أديس أبابا، أدهشني أن فندق الشيراتون لم يكن لديه نظام مياه ساخنة. وكان موظفو الفندق في حيرة من أمرهم، كيف أن شخصًا ما سيبحث عن الماء الساخن في أكثر الدول سخونة في العالم”.

وعلى الرغم من أن جيبوتي تقع على الساحل، إلا أنها جزء من الصحراء وقليلة السكان.  وتبلغ مساحة جيبوتي 23،700 كيلومتر مربع، ويعيش فيها أقل من مليون شخص.

ويسكن جيبوتي الشعب الصومالي من قبيلة عيسى وقبيلة العفر، وكانت في البداية جزءًا من الصومال حتى القرن التاسع عشر عندما أصبحت أرض الصومال الفرنسية.

 

منطقة أرض الصومال الفرنسية وخليج عدن. مقطع من خريطة مصر والبحر الأحمر في أطلس التايمز للعالم (1922).

 

في عام 1977، أصبحت جيبوتي دولة مستقلة واتخذت اسم جيبوتي، مع الحفاظ على الفيلق الأجنبي الفرنسي في قاعدة كامب ليمونير.

وتمر بجيبوتي ممرات الشحن الأكثر ازدحامًا في العالم، وتسيطر هذه البلاد الصغيرة على الطريق الواصل للبحر الأحمر والمحيط الهندي. وهي بمثابة مركز للتزود بالوقود ونقل الشحنات.

وهي الميناء البحري الرئيسي للتجارة الإثيوبية، ويسهل ذلك قطار من القرن التاسع عشر يسير من جيبوتي إلى دير دواه وأديس أبابا في إثيوبيا.

والآن تم استبداله بقطار صيني منذ عام 2018.

 

خط قطار صيني مبني في جيبوتي

 

وكان الاهتمام الفرنسي الأساسي بجيبوتي هو أن يكون هناك بديل عن عدن البريطانية لإمدادات الفحم للسفن القادمة عبر قناة السويس.

وتواصل جيبوتي استضافة قاعدة فرنسية هي الأكبر في أفريقيا بقيادة جنرال برتبة 3 نجوم.

ونظرًا لأهميتها الاستراتيجية، أراد العرب أيضًا ربط جيبوتي بشبه الجزيرة العربية من خلال بناء جسر بطول 28.5 كم من جيبوتي إلى عدن. ومع ذلك، يبدو أنه مشروع بقي في الأدراج بحسب ساين.

ويشغل قاعدة ليمونيير الآن قاعدة أمريكية للقيادة العسركية في أفريقيا,

وتقع كل من قاعدة الدعم العسكرية الإيطالية، والقاعدة اليابانية لعمليات مكافحة القرصنة (منذ عام 2011)، وقاعدة صينية بالقرب من ميناء دوراليه (منذ عام 2016)، تقع كلها في جيبوتي.

كما أن جيبوتي موطن لفرقة العمل المشتركة – القرن الأفريقي، التي تم تشكيلها بعد 11 سبتمبر وهي مكلفة بمنع المنظمات المسلحة في شرق أفريقيا من تشكيل تهديد للولايات المتحدة.

وتدفع الولايات المتحدة 63 مليون دولار سنويًا لاستئجار قاعدة ليمونير، لأجل المؤتمرات والقوات الخاصة وكذلك الطائرات بدون طيار.

وتدفع فرنسا واليابان حوالي 30 مليون دولار سنويًا لأجل قواتهما.

وتدفع الصين 20 مليون دولار سنويا.

وتشكل مبالغ الإيجار أكثر من 5 % من الناتج المحلي الإجمالي لجيبوتي.

وتقع العديد من سياسات التجارة الحرة التقدمية والموقع الاستراتيجي في صميم الاقتصاد القائم على الخدمات في جيبوتي. فعلى سبيل المثال، تعتمد إثيوبيا، في 95% من تجارتها مع العالم، على ميناء جيبوتي.

ويخدم نفس الميناء جميع السفن الزائرة، بما في ذلك البحرية الهندية.

وعندما انتشرت القرصنة في المنطقة، كان الاتحاد الأوروبي والناتو والبحرية الهندية والصينية وغيرها يرتادون المياه حول المحيط الهندي الغربي، وكان ميناء جيبوتي حاسمًا في استراتيجيتهم.

ودفع هذا الصينيين واليابانيين إلى إنشاء قواعدهم الخارجية في جيبوتي.

وخلال الفترة 2008-2018، نشرت البحرية الصينية 26  ألف فرد في المنطقة واضطلعت بمجموعة متنوعة من عمليات الأمن البحري.

وفي عام 2012، أنشأت حكومة جيبوتي ميناء دوراليه الجديد، على بعد خمسة كيلومترات إلى الغرب من مدينة جيبوتي، عندما كان ارتباطها بالإمارات في ذروته.

ومنذ عام 2005، استثمرت الشركات الإماراتية بكثافة في جيبوتي وبنت البنية التحتية والفنادق والعقارات وأدارت الجمارك والموانئ.

ويعمل في جيبوتي أكثر من عشرة بنوك تقليدية وإسلامية، وغالبا ما تخدم المنطقة، بما في ذلك الصومال.

كما لوحظت خدماتهم خلال فترة القرصنة لدفع الفدية وتم تصميم جيبوتي على أنها دبي صغيرة، بحسب الدبلوماسي الهندي.

وسلط ساين الضوء على أهمية جيبوتي بالنسبة للهند حيث قال: “بالنسبة للهند، كانت جيبوتي صديقا مهما، على الرغم من أن عدن كانت دائما (حتى تاريخيا) الميناء المفضل للهنود. وعلى مر السنين، جاءت المزيد من السفن الهندية إلى جيبوتي مع نمو التجارة مع إثيوبيا والصومال وخارجها. وزادت من أهمية جيبوتي المشاريع الهندية الممولة في إثيوبيا بعد عام 2005 “.

علاوة على ذلك، واصل ساين، استخدمت البحرية الهندية بشكل متكرر عمليات إعادة التزود بالوقود في جيبوتي عند عودتهم من الولايات المتحدة الأمريكية أو روسيا أو أوروبا، إلى جانب جولاتهم في المحيط الهندي.

وساعدت الهند جيبوتي في التخفيف من النقص في الأسمنت من خلال تمويل (أكثر من 20 مليون دولار) من أسمنت علي صبيح وتوليد الطاقة في عام 2013.

كما أنشأت الهند مركز المهاتما غاندي للقيادة وريادة الأعمال في 2018 لتدريب الشباب الجيبوتي.

وكانت الميزة الاستراتيجية لجيبوتي هي الأكثر استخدامًا عندما اضطرت الهند إلى إجلاء مواطنيها من اليمن في عام 2015.

ونظرًا للمشكلات وأوقات وقف إطلاق النار القصيرة المخصصة للهند، قامت الطائرات الهندية بنقل مواطنين من اليمن، بتوجيه من الجنرال ف. ك. سينغ من وزارة الدفاع، إلى جيبوتي حيث تم تجميعها ثم إخلائها.

وفي الواقع، بحسب ساين نجحت عملية “رهات” بسبب دعم جيبوتي الصريح.

وتم تكريم الرئيس إسماعيل جيلة مع بادما فيبوشان في 2018.

وقام الرئيس الهندي رام ناث كوفيند بأول زيارة خارجية له إلى جيبوتي لتعزيز هذه الصداقة.

وفي عام 2019، افتتحت الهند أيضًا سفارة مقيمة في جيبوتي.

وقام الرئيس إسماعيل عمر جيلة بزيارة الهند عدة مرات منذ عام 2003 وكان آخرها لحضور قمة الهند وإفريقيا في عام 2015 وإطلاق التحالف الدولي للطاقة الشمسية في عام 2017.

وقال ساين:” التقيت به ووزير خارجيته خلال مؤتمر تيكاد 7 في يوكوهاما العام الماضي، وتذكر بحرارة العلاقة الوطيدة التي تطورت مع الهند، وخاصة بشأن مصنع الأسمنت”.

وبحلول عام 2015، كان الوضع يمر بمرحلة تغيير في المنطقة. وتورطت الإمارات، الشريك الاقتصادي الرائد لجيبوتي، في النشاط العسكري في الصومال (حيث انهارت علاقتها) وفي إريتريا (التي لها مع جيبوتي مشكلة حدودية) وفي اليمن لمحاربة الحوثيين.

وأدى التوتر مع شركة موانئ دبي العالمية بسبب فساد مشتبه به في ميناء دوراليه والإمارات الساعين للوصول إلى منشآت عسكرية في جيبوتي ضد اليمن، أدى إلى توترات في العلاقات بين جيبوتي والإمارات بحسب ساين.

وتحولت موانئ دبي العالمية والإمارات إلى ميناء عصب الإريتري، وميناء بوساسو في بنتلاند وميناء بربرة في صومالي لاند حيث شعروا أن جيبوتي لم تكن تتجاوب كما كانت من قبل.

وكان ثمن الدعم الجيبوتي للمحور الإماراتي / السعودي في اليمن، قيام قطر بسحب 400 جندي يراقبون الحدود الصغيرة مع إريتريا منذ تبادل لإطلاق النار في عام 2008.

وأدت هذه الأحداث إلى استحواذ الصينيين على ميناء دوراليه وإقامة قاعدة لهم في عام 2016 لمفاجأة حلفاء جيبوتي الآخرين.

وأصبحت جيبوتي جزءًا كبيرًا من مبادرة الحزام والطريق الصينية. وهي تنتظر المشاريع الموعودة من خلال مبادرات المشروع الثمانية التي تم الإعلان عنها في قمة الصين الأفريقية في عام 2018.

 

مخطط لمشروع لشركة صينية حكومية هندسية

 

وقام الرئيس إسماعيل عمر جلية، الذي حكم البلاد منذ عام 1999، بزيارة الصين بشكل متكرر بما في ذلك في يناير 2020.

ويزور وزير الخارجية الصيني جيبوتي كل عام لمدة ثلاث سنوات، وهو يعد بأن تصبح جيبوتي مركزًا إقليميًا للتجارة والخدمات اللوجستية من خلال تعزيز التنمية المنسقة للسكك الحديدية والموانئ ومنطقة التجارة الحرة في جيبوتي، مثلما فعلت الإمارات في البداية.

وختم ساين، الدبلوماسي الهندي، مقالته التي عرض فيها أهمية جيبوتي الإستراتيجية وتسابق القوى الدولية إليها قائلا: “وبينما تحاول الصين السيطرة على البحار، تصبح جيبوتي لاعباً حاسماً في المصالح الاستراتيجية للهند”.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.